الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

207

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجملة وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ عطف على جملة ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ، ومساق هذه الجملة مساق الانتصاف منهم لما أظهروه له من الشرّ ، يعني : أني أكل شأني وشأنكم معي إلى اللّه فهو يجزي كل فاعل بما فعل ، وهذا كلام منصف فالمراد ب أَمْرِي شأني ومهمّي . ويدل لمعنى الانتصاف تعقيبه بقوله : إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ معللا تفويض أمره معهم إلى اللّه بأن اللّه عليم بأحوال جميع العباد فعموم العباد شمله وشمل خصومه . وقال في « الكشاف » قوله : وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ لأنهم توعدوه ا ه . يعني أن فيه إشعارا بذلك بمعونة ما بعده . و بِالْعِبادِ الناس يطلق على جماعتهم اسم العباد ، ولم أر إطلاق العبد على الإنسان الواحد ولا إطلاق العبيد على الناس . والبصير : المطلع الذي لا يخفى عليه الأمر . والباء للتعدية كما في قوله تعالى : فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ [ القصص : 11 ] ، فإذا أرادوا تعدية فعل البصر بنفسه قالوا : أبصره . [ 45 - 46 ] [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 45 إلى 46 ] فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ ( 45 ) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ ( 46 ) تفريع فَوَقاهُ اللَّهُ مؤذن بأنهم أضمروا مكرا به . وتسميته مكرا مؤذن بأنهم لم يشعروه به وأن اللّه تكفل بوقايته لأنه فوّض أمره إليه . والمعنى : فأنجاه اللّه ، فيجوز أن يكون نجا مع موسى وبني إسرائيل فخرج معهم ، ويجوز أن يكون فرّ من فرعون ولم يعثروا عليه . و ( ما ) مصدرية . والمعنى : سيئات مكرهم . وإضافة سَيِّئاتِ إلى ( مكر ) إضافة بيانية ، وهي هنا في قوة إضافة الصفة إلى الموصوف لأن المكر سيئ . وإنما جمع السيئات باعتبار تعدد أنواع مكرهم التي بيّتوها . وحاق : أحاط . والعذاب : الغرق . والتعريف للعهد لأنه مشهور معلوم . وتقدم له ذكر في السور النازلة قبل هذه السورة .